عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

216

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

يحتاج إلى ثلاثة أشياء : الزمان والمكان والإخوان . ومنها : أن السماع يظهر مخفيات الباطن ومستورات القلوب ويبرز الجوهر المكنون ، فيصير المريد بذلك عرضة للآفات ، إذ هو مأمور بإخفاء الأحوال ، لا سيما عن الأغيار ، فلذلك قالوا : كل عمل وقع عليه نظر الخلق صار هباء منثورا ، وقال بعضهم : الفقير الصادق هو الذي لا يضمر شرا ولا يظهر خيرا . ومنها : أنه ربما خلطوا جدهم بهزل ما ، أو وقعوا في الاعتراض على محق وتركوا بعض آداب الصحبة أو عقلوا عن مراقبة باطنهم لحظة ، فتصرفت فيهم الشياطين وسولتهم وأغوتهم ، وكثيرا ما يكون هذه التصرفات في صورة الوجد وإظهار غلبات الأحوال . حكى الشيخ أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري صاحب كتاب كشف المحجوب فيه قال : سمعت الشيخ أبا العباس الشقاني يقول : كنت في مجلس قوم اشتغلوا بالسماع فرأيت الشياطين عرايا يطوفون ويلعبون بين أيديهم وينفخون فيهم فيتواجد الفقراء بذلك . وهذا مما لا يقف عليه إلا صاحب نظر كامل واقف على مكائد الشيطان وتصرفاته في المريدين . ولهذا قال أبو علي الروزباري : ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس . فلما تحقق عندهم هذه الآفات في السماع احترزوا عنه واستجلبوا فوائده بطرف آخر . وطائفة أخرى كرهت ذلك وزعمت أن الذي يتعرض لاستماع هذه الرباعيات لا يخلو من وجهين : إما قوم متمهلين من أهل الرعاية والفتنة أو قوم وصلوا إلى الأعمال السنية ، وعانقوا المقامات الرضية ، وأماتوا أنفسهم بالرياضات والمجاهدات وطرحوا الدنيا وراء ظهورهم وانقطعوا إلى اللّه بجميع معانيهم ، ولسنا نحن من هؤلاء ولا من هؤلاء ، فلا معنى لاشتغالنا بذلك ، وترك ذلك أولى بنا والاشتغال بالطاعات وآداء المفروضات واجتناب المحرمات شغلنا عن ذلك . ومن رخص السماع للمريدين فكانت رخصته على سبيل المعالجة والتدبير الصالح ، فإن اللّه تعالى ما خلق دواء وأودع فيه شفاء إلا وقد قاربه بنوع ضرر يتوقع من استعماله ، إن لم يتداركه المعالج بحسن التدبير وما من شيء من المعاملات الشرعية والأوامر الإلهية التي يتوقع النجاة بها والفوز بالدرجات إلا وفيها آفات تؤدي إلى الهلاك إذا لم يستعملها العبد على شرطها . فأولى أركان الإسلام بالاعتبار الصلاة . ومنها : الفوز والفلاح . قال اللّه تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) [ المؤمنون : 1 ، 2 ] ، ومنها : الويل والخسران . قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) [ الماعون : 4 ، 5 ] وقال النبي